حسن الأمين

22

مستدركات أعيان الشيعة

الكبرى . وهي فن رفيع يهدف إلى تغيير الإنسان وإصلاح المجتمع . وقصد دانتي ان يجعل منها بداية لعصر جديد ، وكأنه أراد بذلك أن يضع كتابا مقدسا جديدا يهدي البشر إلى سواء السبيل ، وبدأ فيها دانتي أورفيو جديد لعالم جديد » . وفي حين تناول النقاد جوهر الكوميديا ومواضيعها ، فقد تناول الشاعر الناقد ( T . S . ELIOT ) ت . س . اليوت لغة الكوميديا فقال : « ان أول درس يستفاد من دراسة دانتي انه لا يوجد شاعر من مستواه بذل من العناية والجهد في دراسة فن الشعر ما بذله دانتي ولا يستثن من هذا فرجيل » . كما أن اليوت يقول « انه لا يعرف شاعرا انكليزيا قدم للغته من الخدمات مثل ما قدمه دانتي لايطاليا » . ويكون أليوت قد رفع دانتي هنا إلى قمة البارناس الشعرية ، وتجاوز به شكسپير وشعر شكسپير . إذن ، انطلاقا من دراستنا ، وانطلاقا من آراء النقاد الجادين ، وانطلاقا من الاحتكام إلى نص « الرسالة » و « الكوميديا » نحكم بعدم وجود التشابه المدعى ، لنؤكد التقاء الأثرين عند فكرة واحدة هي « الرحلة الخيالية إلى العالم الآخر » ، وهي فكرة انسانية مشتركة لم تنحصر في حضارة ، ولا قوم ، ولا دين ، فمنذ سمعت البشرية ان هناك عالما آخر ، راحت تتمثل ذلك العالم ، ثم جعلت تقوم برحلة خيالية اليه . وتصوير ذلك العالم قديم العهد ، تحدثت به الأساطير قبل أن يولد « أبو العلاء » بدهور ، وعرضته الأديان عرضا مفصلا لا يدع لنا سبيلا إلى إيثار « أبي العلاء » به . بين أبي العلاء والوزير المغربي قال الدكتور إحسان عباس : تدور لزوميات أبي العلاء في معظمها حول المشكلات الوجودية والقضايا الميتافيزيقية : هنالك يجد المرء وقفات كثيرة عند مشكلة الجبر والقدر ، والخير والشر ، والنفس والجسد ، والتقوى والنفاق والعقل والخمر ، والمرأة والتناسل ، والعدل والجور ، والرعية والرعاة ، والدنيا والإنسان ، إلى غير ذلك من قضايا انسانية وشئون كونية ، ولذلك فليس من الغريب أن يحس القارئ - مثلما أحسست - بمفاجأة لافتة تستوقف النظر وتستثير التعجب ، إذا وجد بين ذلك العدد الغزير من القصائد والمقطعات مقطوعة في رثاء أحد الناس ، إذ يكاد يكون عهد المعري بالاهتمام بشؤون الأفراد قد تولى مع فترة سقط الزند ، وحل محله الاهتمام بالجماعة والمصير الإنساني في اللزوميات . والتوقف عند رثاء فرد في حومة ذلك الديوان الكبير لا بد أن يعني أن ذلك الفرد الذي أخرج المعري عن خطته الكبرى لا بد وأن يكون ذا مقام خاص في نفسه ، ولا بد من أن يكون فقده عميق الأثر في مشاعره . أما ذلك الفرد فهو الوزير أبو القاسم المغربي الحسين بن علي بن الحسين ، وأما المقطوعة فهي قول المعري : ليس يبقى الضرب الطوال على الدهر ذو العبالة الدرحاية « 1 » يا أبا القاسم الوزير ترحلت وغادرتني ثفال رحاية « 2 » وتركت الكتب الثمينة للناس وما رحت عنهم بسحايه « 3 » ليتني كنت قبل أن تشرب الموت أصيلا شربته في ضحايه إن نحتك المنون قبلي فاني منتحاها وإنها منتحايه أم دفر تقول بعدك للذائق لا طعم لي فأين فحايه « 4 » إن يخط الذنب اليسير حفيظاك فكم من فضيلة محايه هي أبيات قليلة - كما نرى - غير أنها ، على تضايق في القافية يحول دون الاسترسال ، مفعمة بالأسى لفقد ذلك الرجل ، حتى ليحس أبو العلاء أنه أصبح بعده « ثفال رحاية » ، محض خرقة تدور فوقها رحى الحياة ، وأن الحياة قد فقدت طعمها الشهي بعد أن ترحل عنها ما كان منها بمكان الأفاويه والتوابل . وقبل أن نغادر هذه الأبيات علينا أن نتذكر أمورا هامة ، قد تفيدنا كلما تقدمنا في غمرة هذا البحث : الأول : أن أبا القاسم الوزير ترك للناس كتبا ثمينة ، وتقول مخطوطات اللزوميات إن ذلك يشير إلى كتب وقفها الوزير بمدينة ميافارقين ، وقد تكون هذه الكتب مكتبته الخاصة ، وقد تكون مجموعة ما ألفه من كتب . الثاني : أن الوزير توفي سنة 418 ه‍ ، وهذه اللزومية من أواخر ما جاء في الديوان ، فان كانت اللزوميات قد نظمت ولاء بحسب القوافي ، فهذا التاريخ يفيدنا في تحديد الزمن الذي انتهت فيه ، وإلا فهو تاريخ صالح يدل على أن أبا العلاء كان معنيا بنظم جانب من اللزوميات في تلك الفترة . الثالث : أن أبا العلاء كان مشغول الذهن بالنهاية التي سينتهي إليها الوزير في الآخرة ، فهو قد احتقب ذنوبا سجلها عليه الملكان الحافظان ، إلا أنها ذنوب يسيرة تمحوها فضائله الكثير ، وأن الغفران مرجو له . فمن هو الوزير المغربي ؟ وما مدى صلته بأبي العلاء المعري ؟ أما التعريف بالوزير المغربي فحسبي منه الإيجاز ، إذ لست أزيد في هذا المقام على ما كتبه الدكتور سامي الدهان في مقدمته على رسالة في السياسة للوزير نفسه ، جمع في ختامها أيضا معظم ترجماته من المصادر المتيسرة حينئذ ، كما لا أستطيع أن أتجاوز تلك الترجمة المسهبة التي صدر بها شيخنا حمد الجاسر كتاب الوزير المغربي « أدب الخواص » ، فالإيجاز هو الطريق السوي في هذا المقام . يقول الوزير المغربي في إحدى رسائله : « . . . إذ كان أصلي من البصرة ، وانتقل سلفي عنها في فتنة البريدي إلى بغداد ، وكان جد أبي - وهو أبو الحسن علي بن محمد - يخلف على ديوان المغرب ، فنسب به إلى المغربي ، وولد له جدي الأدنى ببغداد في سوق العطش ، ونشا وتقلد أعمالا كثيرة ، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر المملكة . . . وأقام والدي وعمي بمدينة السلام وهما حدثان » . ثم يصف كيف انتقل الجد وأبناؤه إلى مصر ثم عادوا جميعا إلى حلب ، وعاشوا في ظل سيف الدولة : « واستولى جدي على أمره استيلاء تشهد به مدائح أبي نصر ابن نباتة فيه ، ثم غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده غلبة تدل عليها مدائح أبي العباس النامي فيه ، ثم شجر بينهما ما يتفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا . . . » وأخيرا استقر الأب بمصر ، ونقل إليها ابنه وسائر عائلته من حلب ، ولقي حظوة بمصر إلى أن تغيرت الظروف . فأبو القاسم الحسين - إذن - ليس مغربيا ، وإنما هو عراقي الأصل ، يرتفع نسبه إلى الفرس . وقد ولد بحلب حين كان أبوه وزيرا لسيف الدولة . ثم وزر لابنه من بعده . وبحلب نشا ونال ثقافته . يقول أبوه في ذكر نشأته وثقافته : « ولد - سلمه الله وبلغه مبلغ الصالحين - أول وقت طلوع الفجر ، من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة . واستظهر القرآن وعدة من الكتب المجردة في اللغة والنحو ،